مما  لاشك  فيه ان الشاعر ابن   بيئته  ومتفاعل معها كيفما كانت  واينما  كانت  ولابد  من  تاثير لها  عليه  وقد  تحدثنا  عن  التأثير  السياسي  والاجتماعي  في الشعر العربي  ومدياته  والان  نتكلم  عن  بعض الامور  الاقتصادية  التي  هي نسغ الحياة  ودمها   الجاري  في العروق  وتأثير  انماطها  على الشعر والشاعر العربي.

 

        ان الوضع الاقتصادي للبلد الواحد  او   قل  للعائلة الواحد ة  اي لعائلة الفرد  او عائلة الشاعر لها   تاثير مباشر  و كبير على  نشاته  وشاعريته  ولو ان الشعر فطرة  لكنها قد  تنمى  بكثير  من الامور  وتقوى  بالاطلاع  والدراسة والتتبع   والممارسة على قول  الشعر ودراسة  دواوين  الشعراء  ومطالعة  او دراسة  اللغة  و اصول النقد  والبلاغة   والصرف  والنحو  وما اليها   وهذه حتما  بحاجة الى وضع اقتصادي  جيد لتمكن الشاعر من نيلها او الحصول  على  مستجدات منشوراتها و كتبها  ومؤلفاتها  وقد  يراها  ذو الوضع  الاقتصادي الجيد او المتمكن من شرائها او الحصول عليها  من الامور السهلة وغير المهمة  وذكرها  او التحدث عنها  من الامور المضحكة او يعتبرها  الاخر تافهة  ان  كان  وضعه الاقتصادي  جيدا ويمكنه من اقتنائها  وهي  بحقيقة  الامر  تنشأ  مع الشاعر  فتقيده   في  بعض الاحيان  وخاصة  اذا  كان هذا الشاعر متحدرا من عائلة فقيرة  او معدمة   ولربما  لا  تملك   قوت   يومها . اقول  نعم  ان هذا الشاعر او ذاك  ربما  يتمتع  بفطرة شعرية  و خيال شاعري من خلال الهامه الشعري  الواسع وما  غرس في  نفسيته   و تتفتق  شاعريته  وقادر على قول الشعر الا ان هذه  الشاعرية مهما كانت قوية  بالموهبة  حتما  بحاجة الى  صقل  موهبتها واكتساب  بعض المعارف  المهمة  التي تحتاج الى  المال .  وقد لاحظت ان  بعض  البسطاء  من الناس  يمتلك شاعرية  عجيبة  في  قول الشعر  الشعبي  - رغم اني لا احب  الشعر  الشعبي  واعتبره احد  العقبات  التي  يجب ان تزال   من قاموس اللغة  العربية  وتوحيدها  وغير مهم  في الانسان العربي – اذ يرفع  هذا الشاعر  صوته  فيغني ويؤلف   لنفسه  اشعارا  شعبية  وموالات  قمة  في التعبير والجيادة وهو ربما  لا يقرأ ولا  يكتب   وتجد في  شعره   صورا شعرية  طافحة  بالفهم  وتهز مشاعر المتلقي     هزا  عنيفا و تحرك   العواطف الانسانية  فيه   فهذه  بطبيعة الحال  شاعرية  فطرية  فلو كان هذا  الانسان  ينشد هذه الاقوال  بالعربية  الفصحى لربما  كان  شاعرا فطحلا  او ذا  مكانة  لا باس  بها  او كان   يمتلك   المقدرة  على المطالعة  والدراسة  واكتساب  العلوم  اللغوية  لكان  شاعرا  مبدعا  وربما  عبقريته  الشعرية  تفوق  كثيرا بعض الشعراء الذي اكتسبوا الشعر وقالوه عن غير فطرة شعرية  او قريحة  شاعرية  او انها  فيهم قليلة   لذا استطيع  القول ان  الوضع الاقتصادي  للفرد  له  تأثيره البالغ  في  المسيرة الشعرية  للشاعر  ومنذ الطفولة وحتى  على الشعر ذاته .

              

              ثم ان سياسة الدولة او المنطقة  التي  يتواجد  فيها الشاعر وتوجهها  الثقافي  الذي يتفاعل معه  الوضع  الاقتصادي للدولة  لهو رافد مهم  من روافد  النمو الشعري والثقافي بصورة عامة  في البلد  والذي  ينعكس  سلبا  على طائفة   من الشعراء  وايجابا على  طائفة  اخر ى  فلو احتضنت الدولة  كل الشعراء  و بصورة  متساوية  لأبدع  كل  شاعر  بما  منحته شاعريته الفطرية  والهامه  من  شعر  وقصيد  الا  ان اغلب الدول   وخاصة  العربية  دأبت على احتضان   من  يسير بركاب  حكامها  ويمتدحهم   ويكون  لسانا ناطقا  منافقا  لها فتغدق عليه الاموال  والهدايا   والمنح  وترفع  من شانه عاليا وفي الوقت ذاته تعلن الحرب على   من لا  يستجيب  لها او من لا  يسير في ركابها   وتحاربه  شديدا فيقعد  ملوما محسورا    .                            

 

         فمثلا  كانت الدولة في العراق تحتفل في مهرجان المربد الشعري سنويا  وترفد  هذا  المهرجان  واحتفالياته بملايين  الدنانير  وتدعو  اليه العديد  من الادباء  والشعراء  العراقيين  والعرب وبعض الاجانب  وكانت   تتدخل  الامور  الساسية  في هذا  المهرجان  فيدعى زيد من الشعراء   ويبعد عمرو   وتكون الافضلية لفلان  وفلان  لانه يمدح ويتعنصر  للشخص  الحاكم  ويمجده  واذكر ان  شاعرا  من الشعراء الذين  اغدقت  عليهم الدولة  وحفتهم بعنايتها ورعايتها  كان عندما  ياتي ليصعد على  المسرح  يقف قبل  ان ينشد  شعره فيقول :  

  (انا شاعر صدامي  انا شاعر  صدامي) –

  يصرح   بها  علانية  وامام الاف الحضور من الشعراء والادباء  العراقيين  والعرب   والاجانب  ثم يبدأ   بانشاد  شعره   فكانت اليه  الافضلية  على الشعراء الاخرين  من  حيث العناية  غير الطبيعية  و المركزة  والرعاية  الكبيرة  في  المال  والجاه  والمركز  فنراه  في  منصب  عال جدا   و سيارته التي تقله  فارهة من الدولة   ومكتب  لا مثيل  له  وجيوبه مليانه  بالنقود   ولا  يحتاج اي شيء-  فقد وفرت له الدولة  كل طلباته  - الا  ان  يجلس  لمكتبه  ليكتب   بقلمه  الذي ربما  شباته كانت  من ذهب  ويقضي  وقته  في  تنميق  وتزويق   شعره ومراجعته  واختيار ارق الالفاظ  واحسنها  فأين هو من شاعر لا  يجد لقمة  عيشه   بل لا يجد الوقت الكافي  لكتابة  قصيدته او العودة اليها لمراجعتها  من  اخطاء  فيها  نحوية  ا و صرفية  او بلاغية  او ربما شعرية  في  الوزن او القافية  او الشكل والمضمون بسبب  كده  وتعبه وارهاقه  وركضه  وراء  لقمة  العيش  فتموت الكلمة  في  نفسه والتعبير قبل ان يخرج من شفتيه فهل  يستويان  مثلا .

 

       وشاعر اخر  حفته  الدولة  لانه  صديق  حميم لولد الحاكم  فاغدق  عليه نعمه  وفضّله على الاخرين  وجعله  رئيسا  لهم  مثله  مثل صاحبه الاول او  يزيد  او حتى شعراء  المحافظات  كان بعضهم  تكرمه  الدولة  وتصرف  اليه رواتب شهرية  لكونه  كان  رفيقا  للدولة  او من حزبها او نتيجة  التملق  والنفاق الثقافي  الذي يكثر  في اروقة  الوزارات او الاتحادات  ذات  الصلة   في حين  يوجد  هنا ك  من هو افضل  منهم  شاعرية  وعلما  ودراية   وقد  حرمته  مما  تصرفه  على  اقرانه  الشعراء لانه  يكره  ان  يكون  تابعا  او متملقا  لذا  او ذلك  ويعتز بنفسيته  وارائه  رغم  كونه محتاجا  للمساعدة  المالية  والمعنوية   فهذا  لا  يجد  ما يسد  رمقه  وعائلته  او حتى لا  يستطيع  التنقل  للمشاركة  في المهرجانا ت  الشعرية  او مجاراة الشعراء  في  منتدياتهم  فهؤلاء  لو  اخذ  بايديهم  وساعدتهم الدولة   مثل اقرانهم   او احتضنت  الدولة  الجميع   بدون تمييز  سياسي او عرقي  او طائفي   فهل   يبقي  مثل هذا  الشاعر  متاخرا  عن الاخرين بسبب  سوء  الحالة  المعاشية  والاقتصادية  التي  فرضت  عليه  فهل يستويان   مثلا  .

   

          ثم  جاءت  الطائفية  المقيتة  فقربت  شعراء وكان  الثقافة والادب حكرا عليهم  و ابعدت اخرين  وعذبت  اخرين  او قتلتهم  بل هاجر  بعضهم  الى  خارج البلاد  حفاظا علي  نفسه  خوفا  من الموت  او القتل   فاي معادلة  هذه  ومتى  ستتحسن  احوال الادباء  والشعراء   وامورهم   ومتى يهيئ لكل الادباء والشعراء  الجو المناسب  ونتخلص من هذه المعادلة  غير العادلة  وان  نفعل  لبلدنا  ما  ما نحب او نريد نحن  في  سبيل الصالح  العام  ونشارك  في بناء  هذا  البلد   فتحل علينا رحمة الله تعالى  بتآخينا   وتوحدنا  وتنعدم الفوارق    بين هذا  وذاك الا  من  حيث  نتاجه  الادبي  او الشعري وقوة  شاعريته  وهذا الامر  موكول  باهل  اللغة  والبيان والشعر م الذين اصبحوا  في مواقع  مقربة  من  الدولة   فتناسوا  زملائهم  الذين مستهم  الباساء  والضراء ان  ياخذوا  بايديهم  و يوفروا لهم  المكان  المناسب  والحياة  الكريمة  اسوة بهم   .

 

        وعلى العموم ان الشاعر الذي تهيات له  اسباب  المعيشة ويعيش  في  وضع  اقتصادي  يمكنه من  ادارة  شؤون عائلته  وتمشية امورها  افضل  بكثير من  شاعر  هجر الشعر  او تركه  بسبب   بعض الظروف  القاهرة او شاعر اخر  كتب  كثيرا  من   الشعر  فاحتفظ   به  لنفسه  بما  يكتبه لعدم  تمكنه  من نشره  لسوء  حالته  المالية  فضاع  ما  ضاع منه  وربما  ضاع  كله  بمرور الوقت  وهم غير قليل .

 

      وهكذا  في  بقية  الاقطار  العربية او على مستوى البلاد العربية كلها . فالدولة  العربية  التي  تهتم   بشؤون  الشعر والادب  وتحيط  ادبائها  وشعرائها  بهالة  من الفخر والاعجاب  و تهيء  لهم الا جواء المناسبة وتقدم لهم ا يدي العون والمساعدة  يكون ادباؤها  وشعراؤها  افضل حظا  من الدولة  التي لا تعير اهمية  للادب والشعر  والفن  وتميز  بينهم  بحسب الطائفة  او العرق  او المعتقد او المذهب  وربما  يضطر  بعض  الشعراء  ان يهجر  بلده  و يعيش  في غيرها   طلبا  للرزق  والحضوة  و ينحاز  الى دولة  اخرى  والدخول  في اهتماماتها  وهذا ما لا نرضاه ابدا - وهذا ايضا حسب الواقع  الاقتصادي للدولة او الحضاري    وطبيعة الحكم  وتصرف الحاكمين ومثل هذه الحالات كثيرة في بلادنا العربية  وللاسف الشديد  .ونامل ان يعمل الحاكمون واؤلوا الشان  على ازالة كل الفوارق الثقافية بين كل  الادباء والشعراء والمثقفين وان يكون الابداع الثقافي والادبي  مقياسا  للتنافس  بينهم 

 

       ومثلا  اخر  الامارات العربية  بدات  بتشجيع  الادباء والشعراء   و محاولة  اكتسابهم اليها  من خلال  برامج  التلفزة او الفضائيات وتنظيم  المهرجانات  الشعرية   وتغدق  العطايا   والجوائز  وتخلق المنافسة  بين  الشعراء  من  كل الاقطار العربية  وقد  لاحظت  قبل ايام  شعراء  من  العراق  وتونس  واليمن  و موريتانا  يحصلون على  جوائز  من دولة  الامارات  بعد  القائهم  قصائدهم الشعرية   في مهرجانات  شعرية  نظمت  لهم  وكان الشاعر منهم   ينشد  شعره  برغبة  وبالغرض  الذي  يريد  . الم يكن مثل هذه الامور  دافعا  كبيرا  لتقدم  الشعر  وتحسينه  والاخذ  بيد هؤلاء  الشعراء  للانطلاق  الى اجواء  افضل   ؟.  الم يكن هذا الامر  نتيجة  حتمية  للوضع  الاقتصادي  المستقر في هذا البلد  المعني  بحيث   تغير ت  اموره  نحو الافضل ؟ .

 

             ان الوضع الاقتصادي  للفرد اوالدولة  والاستقرار النفسي  يجعل للشاعر اجنحة  اخرى  يطير بها  في  سماء الشعر  فينظر من عل  الى  الارض تحته  فينزل  في  روضة  تعجبه  او على شذى زهرة   يشم  رحيقها  من فوق  فترتاح  اليه  نفسه  ويسعد  قلبه  فيصبو اليه  وتانس به  فينشد  ما اراد ويبدع .

 

         وربما  ينظر الى الارض  فيرى يتيما  قد قتل  الغاصبون اباه  اوانتزعوا منه ارضه فهو  يبكي  لفقدان  والده. ا وعلى  ملجأ  او مأوى  يستوطنه  فلا  يجد   فيشقى  لبكائه  او يرى  حبيبته  الغالية  قد هجر ته ولاذت  بآخر  تتقرب  منه  فيعتمل  الحزن  والاسى  في قلبه  وتشتعل  نار  الفراق في  احشائه  فينكب  ينشد  شعرا حزينا ا و يندب  حظه العاثر  وفؤاده الشائق او يتامل في السماء  والوانها  الرائعة  ونجومها  البراقة  اللامعة  في ليل مقمر او في نهار مشمس  فيتيه  بين  الخضرة  والزرقة  ولون البحر او لون الماء الصافي ينساب  في  النهر الخالد  فتسيح  نفسه  وتنثال  عليه  الصور الشعرية  الناطقة  بلسان  ما يرى  فيبدع  شعرا  جميلا  رائعا  في خيال  واسع  منبعث  مما  يحس  به  و يهجسه   ويختلج  في  قلبه  وروحه   شاعرية  فذة  وعبقرية  شعرية رائدة.

 

 اميرالبيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلدروز